المقريزي

103

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

كان يلقب بحرفوش ، وأمّه أشلون ابنة شنكاي ، ولد يوم السبت النصف من المحرّم سنة أربع وثمانين وستمائة بقلعة الجبل من ديار مصر ، وولى الملك ثلاث مرّات ، الأولى بعد مقتل أخيه الملك الأشرف خليل بن قلاون في رابع عشر المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستمائة ، وعمره تسع سنين ، تنقص يوما واحدا ، فأقام في الملك سنة إلّا ثلاثة أيام وخلع بمملوك أبيه كتبغا المنصوريّ ، يوم الأربعاء حادي عشر المحرّم سنة أربع وتسعين وستمائة ، وأعيد إلى المملكة ثانيا بعد قتل الملك المنصور لاجين يوم الاثنين سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة ، فأقام عشر سنين وخمسة أشهر وستة عشر يوما ، وعزل نفسه وسار إلى الكرك ، فولي الملك من بعده الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، وتلقب بالملك المظفر في يوم السبت ثالث عشري شوّال سنة ثمان وسبعمائة ، ثم حضر من الكرك إلى الشام وجمع العساكر ، فخامر على بيبرس معظم جيش مصر ، وانحل أمره فترك الملك في يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان سنة تسع وسبعمائة ، وطلع الملك الناصر إلى قلعة الجبل يوم عيد الفطر من السنة المذكورة ، واستولى على ممالك مصر والشام والحجاز ، فأقام في الملك من غير منازع له فيه إلى أن مات بقلعة الجبل في ليلة الخميس الحادي والعشرين من ذي الحجة ، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ، وعمره سبع وخمسون سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام ، وله في ولايته الثالثة مدّة اثنتين وثلاثين سنة وشهرين وعشرين يوما ، وجملة إقامته في الملك عن المدد الثلاث ثلاث وأربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة أيام . ولما مات ترك ليلته ومن الغد حتى تمّ الأمر لابنه أبي بكر المنصور في يوم الخميس المذكور ، ثم أخذ في جهازه فوضع في محفة بعد العشاء الآخرة بساعة وحمل على بغلين وأنزل من القلعة إلى الإصطبل السلطانيّ ، وسار به الأمير ركن الدين بيبرس الأحمديّ أمير جاندار ، والأمير نجم الدين أيوب والي القاهرة ، والأمير قطلوبغا الذهبيّ ، وعلم دار خوطا جار الدوادار وعبروا به إلى القاهرة من باب النصر ، وقد غلقت الحوانيت كلها ومنع الناس من الوقوف للنظر إليه ، وقدّام المحفة شمعة واحدة في يد علمدار ، فلما دخلوا به من باب النصر كان قدامه مسرجة في يد شاب وشمعة واحدة ، وعبروا به المدرسة المنصورية بين القصرين ليدفن عند أبيه الملك المنصور قلاون ، وكان الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ ناظر المارستان قد جلس ومعه القضاة الأربعة وشيخ الشيوخ ركن الدين شيخ خانقاه سرياقوس ، والشيخ ركن الدين عمر ابن الشيخ إبراهيم الجعبريّ ، فحطت المحفة وأخرج منها فوضع بجانب الفسقية التي بالقبة ، وأمر ابن أبي الظاهر مغسّل الأموات بتغسيله ، فقال : هذا ملك ولا أنفرد بتغسيله إلّا أن يقوم أحد منكم ويجرّده على الدكه ، فإني أخشى أن يقال كان معه فص أو خاتم أو في عنقه خرزة ، فقام قطلوبغا الذهبيّ وعلمدار وجرّداه مع الغاسل من ثيابه ، فكان على رأسه قبع أبيض من قطن ثيابه ، وعلى بدنه بغلطاق صدر أبيض وسراويل ، فنزعا وترك القميص عليه ، وغسل به ، ووجد في رجله الموجوعة بخشان